حيدر حب الله
415
حجية الحديث
لكنّ هذا الجواب من الميرزا النائيني على الانتقاد الثاني غير صحيح ؛ إما من ناحية أنّ أصل نظريّة جعل العلميّة والطريقية بنحو الاعتبار لم تثبت كما تقدّم مراراً ، أو من ناحية أنه بقطع النظر عن فرض ثبوتها فإنّ الآية لا تُثبتها ، إذ أين هو اللسان القانوني في هذه الآية على جعل ما أنذر به المنذِر من الأحكام الواقعيّة تعبّداً ؟ ! إنّ الميرزا النائيني فرض دلالة الآية على حجيّة الخبر ، ثم فرض أنّ الحجية تعني - ثبوتاً وإثباتاً - العلميّة ، ثم عاد إلى الإشكال هنا ليجيب عنه ، مع أنّ الجواب عنه متفرّعٌ على ثبوت الدلالة ، إذ بالإشكال لا تكون هناك دلالة . وبعبارة أخرى : لقد أسقط النائيني نظريّته هنا إسقاطاً معتبراً إياها من المسلّمات التي يجب أن تتمّم الكشف في دلالة الآيات على أصل الحجيّة ، فليُثبت أصل الدلالة على الحجيّة ، ثم ليقُل : إنّ الحجية فيها على نحو الطريقيّة ؛ ولعلّ ما قلناه هو مراد المحقق العراقي والسيد الصدر على ما في بعض تقريراتهما « 1 » . ثانياً : ما ذكره السيد محمد باقر الصدر ، وحاصله : إنّ إيجاب التحذّر في مورد الإنذار بالدين معناه الاهتمام بالواقع ، وهو بنفسه لسان من ألسنة الاحتياط والتنجيز وجعل الحجيّة ، ومعنى ذلك أنّ الحكم هنا بوجوب الحذر ليس موضوعه الإنذار بالواقع ، بل يريد أن ينجّز الواقع ويحتاط له ، وهذا ما يجعل الحذر منصبّاً على ما يأتي به المنذِر مطلقاً ، طلباً لحفظ الواقع ومصالحه ، طبقاً لنظريّة التزاحم الحفظي التي ترى أنّ الحكم الظاهري ليس له أيّ ملاكات غير ملاكات الواقع نفسه « 2 » . وهذا الجواب من السيدّ الصدر يعني أنّ « يحذرون » معناها يحذرون عن مخالفة الواقع ، وإلا فلو كان معنى « يحذرون » هو الحذر من العقاب لبطل هذا الكلام برمّته ، ففرق بين أن نقول : إحذر من مخالفة الحكم الواقعي ، وبين أن نقول : إحذر من العقاب
--> ( 1 ) العراقي ، نهاية الأفكار 3 : 128 ؛ والصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 380 . ( 2 ) بحوث في علم الأصول 4 : 380 .